أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

232

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه عائد على « مِنْ » المكررة ، أي : لمن أسر القول ، ولمن جهر به ، ولمن استخفى وسرب . « مُعَقِّباتٌ » أي : جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضا . الثاني : أنه يعود على « مِنْ » الأخيرة ، وهو قول ابن عباس . قال ابن عطية : و « المعقّبات » على هذا حرس الرّجل وجلاوزته الذين يحفظونه ، قالوا : والآية على هذا : في الرؤساء الكفار ، واختاره الطبري في آخرين » . إلا أنّ الماوردي ذكر هذا التأويل أن الكلام نفي ، والتقدير : لا يحفظونه ، وهذا ينبغي ألا يسمع البتة ، كيف يبرز كلام موجب ، ويراد به نفي ، وحذف : « لا » إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعا في جواب قسم نحو : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا » « 1 » وقد تقدم تحريره ، إنما معنى الكلام كما قال المهدوي : يحفظونه من أمر اللّه في ظنه وزعمه . الثالث : أن الضمير في « لَهُ » يعود على اللّه تعالى ذكره ، وفي « يَحْفَظُونَهُ » للعبد ، أي : للّه ملائكة يحفظون العبد من الآفات ويحفظون عليه أعماله ، قاله الحسن . الرابع : عود الضميرين على النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وإن لم يجر له ذكر قريب ولتقدم ما يشعر به ، في قوله : « لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ » * . و مُعَقِّباتٌ جمع معقّب بزنة « مفعّل » من : عقّب الرّجل إذا جاء عقب الآخر ، لأن بعضهم يعقب بعضا ، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به . وقال الزمخشري : « والأصل معتقبات ، فأدغمت التاء في القاف كقوله : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ » « 2 » أي : المعتذرون ، ويجوز معقبات ، بكسر العين ، ولم يقرأ به . قال الشيخ « 3 » : وهذا وهم فاحش . لا تدغم التاء في القاف ولا القاف في التاء ، لا من كلمة ولا من كلمتين ، وقد نصّ التصريفيون على أن القاف والكاف كل منهما تدغم في الأخرى ، ولا يدغمان في غيرهما ، ولا يدغم غيرهما فيهما . وأما تشبيهه بقوله : « وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ » فلا يتعين أن يكون أصله المعتذرون ، وقد تقدم توجيهه وأنه لا يتعين ذلك فيه ، وأما قوله : « ويجوز » « مُعَقِّباتٌ » بكسر العين فهذا لا يجوز ، لأنه بناه على أن أصله : معتقبات ، فأدغمت التاء في القاف ، وقد بينا أن ذلك وهم فاحش . وفي « مُعَقِّباتٌ » احتمالان . أحدهما : أن يكون جمع معقّبة ، بمعنى : معقّب والتاء للمبالغة ، ك « علّامة » ، « ونسّابة » أي : ملك معقّب ثم جمع هذا ك « علّامات ونسّابات » . والثاني : أن تكون معقّبة صفة لجماعة ، ثم جمع هذا الوصف ، وذكر ابن جرير : أن معقّبة جمع معقّب ، وشبّه ذلك ب « رجل ورجال ورجالات » . قال الشيخ : « وليس كما ذكر إنما ذلك ك « جمل وجمال وجمالات » ، ومعقّب ومعقّبات إنما هي ك « ضاربة وضاربات » . ويمكن أن يجاب عنه بأنه يريد بذلك أنه أطلق من حيث الاستعمال على جمع معقّب ، وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث « معقّب » فصار مثل : الواردة للجماعة الذين يردون . وإن كان أصله للمؤنثة من جهة أن جموع التكسير في العقلاء تعامل معاملة المؤنثة في الإخبار وعود الضمير ، ومنه قولهم : « الرّجال وأعضادها ، والعلماء ذاهبة إلى كذا ، وتشبيهه ذلك ب « رجل ورجال ورجالات » من حيث المعنى لا الصناعة . وقرأ أبي وأبو البرهسم وعبيد

--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية : ( 85 ) . ( 2 ) سورة التوبة ، آية : ( 90 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 371 ) .